الشيخ محمد رشيد رضا
311
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما ذكره ومنه تفسير بعضهم للمقيت في بيت السموأل بالموقوف على الحساب وحاصل معنى الجملة وكان اللّه وما زال على كل شيء مقيتا أي مقتدرا مقدّرا فهو لا يعجزه ان يعطي الشافع نصيبا أو كفلا من شفاعته على قدرها في النفع والضر لان سننه الحكيمة مضت بأن يكون هذا الجزاء مرتبطا بالعمل ، أو شهيدا حفيظا على الشفعاء لا يخفى عليه أمر محسنهم ومسيئهم فهو يعطي الجزاء على قدر العمل * * * قال الأستاذ الامام بعد ان علم اللّه المؤمنين طريقة الشفاعة الحسنة والسيئة وهي من أسباب التواصل بين الناس علمهم سنة التحية بينهم وبين اخوانهم الضعفاء والأقوياء في الايمان وحسن الأدب بينهم وبين من يلقونه في أسفارهم فقال وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها وهذا ما يراه الأستاذ في وجه الاتصال والمناسبة بين الآية والتي قبلها . وذكر الرازي في النظم وجهين ( الأول ) انه لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضا بأن يرضوا بالمسالمة إذا رضي الأعداء بها فهذه الآية عنده كقوله تعالى ( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ) ( والثاني ) أن الرجل كان يلقي الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه فقد لا يلتفت إلى سلامه ويقتله فمنع اللّه المؤمنين من ذلك وأمرهم بأن يقابلوا كل من يسلم عليهم أو يكرمهم بنوع من الاكرام بمثل ما قابلهم به أو بأحسن منه . هذا ملخص قوله وفي الأول انه جعل التحية بمعنى السّلام والسلم ، وفي الثاني من التوسع في التحية ما فيه وسيأتي في هذه السورة ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً ) وقد ذكر هنا أدب التحية كما ذكر ما ينبغي وما لا ينبغي في الشفاعة لأن لكل من التحية والشفاعة شأنا عظيما في حال القتال ، يكون به نفعهما أو ضررهما أقوى منه في سائر الأحوال ، ويدل على ذلك في التحية اشتقاقها من الحياة التحية مصدر حياه إذا قال له حياك اللّه . هذا هو الأصل ثم صارت التحية اسما لكل ما يقوله المرء لمن يلاقيه أو يقبل هو عليه من نحو دعاء أو ثناء كقولهم أنعم صباحا وأنعم مساء ، وقالوا عم صباحا ومساء ، وجعلت تحية المسلمين السّلام للاشعار بأن دينهم دين السّلام والأمان وانهم أهل السلم ومحبو السلامة ، ومن التحيات الشائعة في بلادنا إلى هذا اليوم : أسعد اللّه صباحكم ، أسعد اللّه مساءكم - وهذا